شارلز بوكوفسكي - مختارات

 

شارلز بوكوفسكي
Charles Bukowski
(1994 - 1920 )
ترجمة: سامر أبو هواش

 

“مأساة العشب”

أفقتُ على الجفاف وكانت السراخس ميتة،
النباتات التي في القدور الفخارية صفراء كالذرة؛
امرأتي رحلت
والزجاجات الفارغة تحاصرني، كجثث مدمّاة،
بلاجدواها؛
كانت الشمس لا تزال تسطع مع ذلك
وملحوظة صاحبة البيت تكسّرت في اصفرار مناسب
غير متطلّب؛ أكثر ما كنت بحاجة اليه وقتذاك
كوميدي جيد، من الأسلوب القديم، مهرّج
يحمل نكاتاً على ألم مجرّد؛ الألم مجرّد
لأنه موجود، لا أكثر؛
حلقتُ، بشفرة قديمة، وبحذر
ذقن الرجل الذي كان يافعاً ذات مرة وقيل
إنه عبقري؛
لكنها مأساة العشب،
السراخس الميتة، النباتات الميتة؛
وعبرتُ الردهة المعتمة
حيث تقف صاحبة البيت
لاعنةً ومرسلة إياي، أخيراً،
إلى الجحيم،
ملوّحة بذراعيها السمينتين المعرّقتين
وصارخة
صارخة تطالب بالإيجار
لأن العالم خذلنا
نحن الإثنين.

 

***

 

“إلى العاهرة التي سرقت قصائدي”

يقول بعضهم إننا ينبغي أن نُبقي أسانا الشخصي
بعيداً من القصيدة،
“إبقَ تجريدياً”، وثمة منطق في هذا،
لكن يا إلهي؛
اثنتا عشرة قصيدة ذهبت، وأنا لا أحتفظ بنسخ الكاربون، ولديكِ
لوحاتي أيضاً، أفضلها؛ هذا خانق:
أتحاولين سحقي كالأخريات؟
لمَ لمْ تأخذي مالي؟ فهن عادة يأخذنه
من السروال السكران، النائم، المريض في الزاوية.
فلتأخذي المرة المقبلة، ذراعي اليسرى أو خمسين دولاراً
لكن ليس قصائدي:
لستُ شكسبير،
لكن أحياناً بببساطة
لن يكون هناك المزيد من القصائد، تجريدية أم سواها؛
سيكون ثمة دائماً، وحتى القنبلة الأخيرة،
مال وعاهرات وسكارى،
لكن مثلما قال الرب مصلّباً ساقيه:
أرى أنني صنعت الكثير من الشعراء،
لكن ليس الوافر من الشعر.

 

***

 

 

“حال العلاقات الدولية من نافذة الطابق الثالث”

أرى فتاة تلبس
كنزة خضراء خفيفة، شورتاً أزرق، جوربين أزرقين طويلين
وعقداً من نوع ما،
لكن نهديها صغيران، وهذا محزن،
وتنظر إلى أظافرها،
فيما كلبها الأبيض الوسخ يشمشمُ العشب
في دوائر شاردة؛
ثمة حمامة تدور أيضاً
نصف ميتة بنطفة دماغ،
وأنا فوق في ثيابي الداخلية
بذقن عمرها ثلاثة أيام، أسكب البيرة وأرقبُ
حدوث شيء أدبي أو سيمفوني؛
لكنهما يستمرّان في الدوران، والدوران. ويمرّ رجل عجوز هزيل
في شتائه الأخير، تقوده فتاة
بثوب مدرسيّ كاثوليكي؛
في مكان ما ثمة جبال الألب، والسفن الآن
تعبر البحر؛
هناك أكوام وأكوام من القنابل الهيدروجينية والذرية
تكفي لتفجير خمسين عالماً ومريخاً،
لكنهما يستمران في الدوران
الفتاة تهزّ ردفيها
وتلال هوليوود شاخصة هناك
مليئة بالسكارى والمجانين
والكثيرون يتبادلون القبل في السيارات،
لكن لا فائدة تشي سيرا، سيرا:
كلبها الأبيض الوسخ لن يتبرّز ببساطة،
وبنظرة أخيرة إلى أظافرها،
تسير، هازّة ردفيها، إلى بيتها في أسفل المبنى
يتبعها كلبها الذي يعاني إمساكاً (وغير القلق ببساطة)،
وتتركني أنظر إلى الحمامة الأقل سيمفونية.
حسناً… مما تشير إليه طبائع الأشياء
يمكنكَ الاسترخاء:
فلن تنفجر القنابل.

 

***

 

“الليلة الفائتة”

العامل العجوز
الرمادي والأعمى
الذي لم يعد مفيداً
أحيل إلى التقاعد
وأرسل

إلى(الخارج).

خطاب! خطاب!
طالبناه.

كان
جحيماً، قال.

ضحكنا
نحن الأربعة آلاف:
لقد حافظ العجوز على
روح الدعابة
حتى
النهاية.

 

***

 

“بلا أحلام”

النادلات الكهلات رماديات الشعر
في ليل المقاهي
استسلمن،
وبينما أعبر أرصفة
الضوء وأنظر إلى نوافذ
الحاضنات
أرى أنها لم تعد معهم.
أرى بشراً يجلسون على مقاعد الحدائق
وأستطيع أن أرى من طريقة
جلوسهم ونظراتهم
أنها غادرتهم.

أرى بشراً يقودون السيارات
وأرى من طريقة
قيادتهم السيارات
أنهم لا يحِبّون
ولا يحَبّون
ولا يفكّرون في
الجنس. كله منسيّ
كفيلم قديم.

أرى بشراً في المتاجر
والسوبرماركيتات
يسيرون عبر الممرات
يبتاعون أشياء
وأرى من طريقة ملاءمة ثيابهم
لهم ومن طريقة سيرهم
ومن وجوههم وعيونهم
أنهم لا يبالون بشيء
ولا شيء يبالي
بهم.

يمكن أن أرى مئة شخص في اليوم
استسلموا
كلياً.

إذا ذهبت إلى حلبة سباق
أو إلى حدث رياضي
أرى الآلاف
ممن لا يكنّون شعوراً لشيء
أو أحد
ولا يتلقّون شعوراً
في المقابل.

في كل مكان أرى أولئك الذين
لا يتوسّلون شيئاً سوى
الطعام والمأوى
والثياب؛ يركّزون
على ذلك،
بلا أحلام.

لا أفهم لمَ لا يختفي أولئك
البشر
لا أفهم لمَ لا تنتهي
مدّتهم
لمَ لا تقتلهم
الغيوم
أو لمَ لا تقتلهم
الكلاب
أو لمَ لا تقتلهم
الزهور والأطفال،
لا أفهم.

أفترض أنهم مقتولون
لكنني لا أستطيع التكيّف
مع واقعهم
لأنهم كثيرون
جداً.

كل يوم،
كل ليلة،
تزداد أعدادهم
في قطارات الأنفاق وفي
المباني وفي
الحدائق

لا يشعرون برعب
أنهم لا يحِبُّون
أو لا
يحَبَّون

الكثير الكثير الكثير
من إخواني
البشر.

 

***

 

“اسحبْ خيطاً تتحرّك دمية”

علينا جميعاً أن ندرك
بأي سرعة
يمكن أن يختفي كل شيء:
القطة، المرأة، الوظيفة،
العجلة الأمامية،
السرير، الجدار،
الغرفة؛ كل حاجيّاتنا
بما فيها الحب،
القائمة على أسس رملية،
وأي سبب آخر
أياً يكن غير مترابط:
موت صبي في هونغ كونغ
أو عاصفة ثلجية في أوماها..
يمكن أن تخدم في خرابك.
كل أدواتك الصينية تتحطّم على
أرضية المطبخ؛
ستدخل صاحبتك
وستكون واقفاً هناك، مخموراً
وسط ذلك كله وستسأل:
يا إلهي، ما الذي يجري؟
وستجيب: لا أعرف،
لا أعرف.  

 

***

 

“المثقفة”

تكتب
باستمرار
كخرطوم طويل
يدهن
الهواء،
وتجادل
باستمرار؛
لا شيء مما
يمكن أن أقوله
إلا ويعني
شيئاً آخر،
لذا، أتوقف عن القول؛
وأخيراً
تتجادل ونفسها
خارج الباب
قائلة شيئاً من نوع
لست أحاول
ترك انطباع حسن
لديك عني.

لكنني أعرف
أنها سترجع
غالباً ما يفعلن ذلك.

وعند الخامسة عصراً
كانت تدقّ الباب.

سمحتُ لها بالدخول.

لن أبقى طويلاً، قالت
إن لم تكن تريدني.

لا بأس، قلت
عليّ أن استحم
الآن.

ذهبتْ إلى المطبخ
وشرعت بغسل
الصحون.

الأمر أشبه بالزواج:
سرعان ما تقبل
كل شيء
كما لو أنه
لم يحدث أبداً.

جلبة
ثلاثة فتية صغار يركضون نحوي
مطلقين صفاراتهم
ويصرخون
أنت قيد الاعتقال
أنت سكران
ويبدأون بضرب رجلي
بهراواتهم الزائفة
وحتى إن أحدهم يحمل شارة شرطي. والآخر
أصفاد لكن يديّ مرفوعتان عالياً في الهواء.

حين أدخل متجر الخمور
يدورون في الخارج
كنحل
أطلق من قفيره
أشتري خمس زجاجات من الويسكي
الرديء
وثلاثة
ألواح حلوى.

 

***

 

“قصيدة حب”

كل النساء
كل قبلاتهن والطرق
المختلفة التي يحببن فيها
ويتكلمن ويحتجن.

آذانهن
كلهن يملكن آذاناً
وحناجر وفساتين
وأحذية وسيارات
وأزواج سابقين.

غالباً
ما يكنّ في غاية
الدفء
يذكّرنني بالتوست
والزبدة
ذائبة فيها.

ثمة نظرة في العين تقول
إنهن أُخذن إنهن
خُدعن. لا أعرف ما الذي
يمكنني فعله
لهن.

أنا عشيق جيد ومستمع
جيد
لكنني لم أتعلم الرقص
أبداً… كنت مشغولاً
بأمور أكبر.

لكنني استمتعت بأسرّتهن
المختلفة
مدخناً
ومحدّقاً
في السقوف. لم أكن سيئاً
ولا غير منصف. مجرّد
تلميذ.

أعرف أنهن جميعاً لديهن
تلك الأقدام وعاريات يعبرن أرض الغرفة
فيما أشاهد مؤخراتهن الحييّة في
العتمة. أعرف أنني أستهويهنّ وحتى إن
بعضهن يحببنني
لكنني أحبّ
قلة قليلة منهن.

بعضهن يجلب لي الليمون والفيتامينات؛
أخريات يتحدّثن بهدوء
عن الطفولة والآباء
والمناظر الطبيعية؛ بعضهن يكاد يكون
مجنوناً لكن ولا واحدة منهن بلا
معنى؛ بعضهن
يحببن جيداً، بعضهن الآخر
لسن كذلك؛ لكنّ أفضلهن في الجنس
لسن دائماً
الأفضل
في نواح أخرى؛ كلهن لديهن مثلي
كما نعلّم بعضنا
بسرعة.

كل النساء كل
النساء كل
غرف النوم
الحصر
الصور
الستائر، شيء
أشبه بالكنيسة سوى أنه ثمة ضحك
بعض الأحيان.

تلك الآذان تلك
الأذرع تلك
المرافق تلك العيون
تنظر، الإعجاب
والرغبة، لقد كنت محتضناً
قد
كنت محتضناً.

أوه بلى
هناك أشياء أسوأ من أن
تكون وحيداً
لكن غالباً ما يتطلّب الأمر
عقوداً لإدراك ذلك
وغالباً
حين تفعل ذلك
يكون قد فات الأوان
ولا شيء أسوأ
من فوات الأوان.

بعد القراءة الأولى للآداب العالمية الخالدة
صفق التلاميذ
كتبهم
الثقيلة
وهرعوا بجذل نادر
إلى الملعب
أو
مما يثير القلق أكثر
إلى منازلهم
الفظيعة
ليس هناك ما يثير
الضجر
أكثر
من الخلود.

 

***

 

“الحال”

أسفل الجادّات وأعلاها
البشر يتألمون؛
ينامون متألمين، يستيقظون
متألّمين؛
حتى المباني تتألم،
حتى الجسور
والأزهار تتألم
ولا انعتاق
الألم يجلس
يطفو
ينتظر
يكون.

لا تسأل لمَ هناك
سكارى
ومدمنون على المخدرات
وانتحارات

الموسيقى سيئة
والحب
والسيناريو:

وهذا المكان الآن
فيما أطبع هذه القصيدة

أو مكانك أنت:
فيما تقرأ هذه القصيدة.

حول الألم
زوجتي الأولى والوحيدة
كانت ترسم
وكانت تحدّثني عن الرسم:
“هذا مؤلم جداً
بالنسبة إلي، كل ضربة ريشة
كناية عن ألم…
خطأ واحد وتخرب
اللوحة كلها…
لن تفهم أبداً
الألم….)

(اسمعي حبيبتي)
قلت(لمَ لا تفعلين شيئاً سهلاً
شيئاً تحبّين فعله؟)

لم تقم سوى بالنظر إلي
وأظن أنها فهمت للمرة الأولى
مأساة أن نكون معاً.

أمور كهذه تبدأ
عادة
في لحظة ما.

لي
تتمدّد ككتلة صمّاء
أستطيع أن أحس جبل رأسها الفارغ
العظيم
لكنها حيّة. تتثاءب
وتحك أنفها
وتسدل الشرشف عليها.
عمّا قريب سأقبلها قبلة النوم
وسننام.
وفي البعيد هناك اسكوتلندا
وتحت الأرض
تعدو السناجب.
أسمع محرّكات الليل
وعلى امتداد السماء
يد بيضاء تلوّح لي:
عمت مساء، عزيزي، عمت مساء.