سامر أبو هواش - مختارات

سامر أبوهواش
ربما لفرسٍ!
هيكلٌ عظمي أنبشه وحدي من القبر
أعيد احتضانه بحذر بالغ
كي لا أفسد ترتيب العظام.
***
حضارة سادسة
كلّما صادفتُ امرأة جميلةً
سوف اكتفي برأس أحنيه
أو قبعةٍ أطلقها عالياً
في الهواء.
***
ربيع الكهرباء
أستطيع أن أتخيل رأسي
مصطدماً بالإسفلت:
الدوي يشبه انبلاج قفل المصرف المركزي
الكهربائي الثقيل،
حين نفتحه بكبسة واحدة.
***
لم تكن مزحة
ثمة شظية حفرت عشاً لعصفور في الشرفة
التي في المبنى المقابل،
والعصفور غالباً ما يدعو أصدقاءه
ويبيتون ليلتهم هناك.
***
مرّة في المكتب
أرى ما يلمع
وأقول: هذا ضجري يفسر نفسه
بدمٍ بارد.
***
مكتب الدّوار
وأقول: لو عثرت على رفيق أخرس
لتقاسمت وإياه هذا الرغيف الساخن
ولابتلعنا معاً حانة كاملة.
***
جزاء اللمس
كم كان يبدو حزيناً
وجهي في تلك اللحظة
وإلا لما أزاحت تلك المرأة يدي بذاك اللؤم
ولما أعادت صدرها إلى مكانه
وغادرت الغرفة وهي تتمتم شيئاً عن المرحوم أبي .
***
كأنها مثلي
إلى هذا الحد ،
ولو وقعت سيكارتي
لقفزت وراءها .
***
إسماعيل
يركضون على الرمل
باحثين عن ركن للاختباء
متّقين المطر
بصرخاتهم العالية
تحت السقيفة الخشب
تُولد لهم ملامح
وأسماء
يعرفون أنها
ستمكث معهم طويلاً
قبل أن تتقشّر
من تلقائها.
في الزاوية الأبعد
صبيّ نحيل
يتأمّل نهاية المطر
يسيل ناعماً على التنك
وعلى أشجار
نمت هنا صدفة.
لكنها ليست صدفة خالصة؛
روح الأشجار ليست الأغصان ولا الألوان التي تنعكس تارة وتزول أخرى تحت الشمس الموزّعة أرباعاً وأنصافاً
ودوائر كاملة. لا نعرف بالتحديد روح الأشجار إلا من أثر بطيء وأسود يمكث عميقاً وسرّاً في
الجذوع والشرايين المؤدية إلى الغابات. شجرة على إسفلت أو تحت نظر مارة
على الكورنيش، شجرة على رمل شاطئ، أو على سفح صخري، شجرة يغرق نصفها بالماء ونصفها بالهواء، شجرة على شرفة عالية، أو في صورة معلقة على جدار.
كذلك الكفّ على صخرة. شيءٌ يصير شيئاً. صلة بعيدة بالغيوم. قديسون يمطرون من أصابعهم،
ومن نظراتهم. لمسة الصبيّ على أشياء الهواء وكائناته الصغيرة. شيء يصير شيئاً. حصاة تُرمى صدفة في نهر سرعان ما تصير نَفَساً أو ربما بعد سنة، عشر سنوات أو قرن, تعاود يد التقاطها
بالخفة الهائلة, وبلا أثر لذكرى. شيء يصير شيئاً.
ولكن
في الحساء الليليّ الساخن
مع الفم والأنف وظلال النظرات الغائمة
وعلى الجدران
مع بقايا الكلس
تنمو مدن متخيلة.
الأم تزرع البقدونس في قوارير صغيرة
من علب السمنة
وتربّي الدجاج في قنّ مرتجل
ولا تتكلّم إلا قليلاً
أما الأب فيتقمّص مقعده
منشغلاً بسماع الأصوات الصغيرة
متأملاً، بين صوت وآخر، عامود الغبار المائل
الذي يقطع الغرفة
إلى نصفين.
بلاطات الحيّ القديمة
تتبعثر في موضعها
كأن يداً
آخر الليل
تعيد ترتيبها.
صباحاً
يده تقلّب الحصى
حذرة كي لا تصيب أشباحاً أخرى
مقيمة في الهواء
أين ذهب الجميع؟
إسماعيل يتأمّل عائشة
التي يراها طفلة
تتحرّك في فضاء البيت
يدرك أنها لم تَعُد.
الأسماء والوجوه
تتقشّر أيضاً عن الجدران
كما الحروف
عن البطاقات القديمة.
يكتب اسمه وأسماء كل من يعرفهم
على قصاصات يدفنها
عميقاً في ثقب الجدار
مخافة أن تضيع
يزورها أحياناً
مثلما يزور ضريحٌ ضريحاً.
بياض كامل يوحّد الأرض كعماء
يفكّر في البيت
الذي خلا وهرمَ قبله.
بين أضواء عابرة يلتمعون فجأة
يد الأم الصامتة على الزرّيعة
إيماءة الأب
على الكرسي
وعروق التينة الحنون
على صدأ النافذة.
الموتى إذ ينظرون إلى المرايا
يشعرون بألم عظيم
إذ تسطع أمامهم الوجوه كلّها
دفعة واحدة
يكتبون أشواقهم
بعصير عيونهم المغمضة.
الأمكنة تنتحل البشر بعد غيابهم
لذلك، يفكّر إسماعيل،
تخرج من الحجارة وجوه
تريد أن تنطق
لكنها تعاود الاسترسال
في غيبوبتها الناصعة.
لا يعرف إسماعيل
من يزور من؟
وأي شبح يظهر له الآن في المرآة
هواء خفيف يزيح الأوراق العالقة
عن الأضرحة.
الوجوه الحجارة
في مخابئها العميقة
صارت وأسماؤها واحداً
أين ذهب الجميع؟
يصفُر
عشب يابس
على الأضرحة.
***
عادل
أنيقٌ كعاشق دائم
يعلّق قميصه وبنطاله على مسمار قرب الباب
يضع حذاءه في المكان المحدّد له
على العتبة
ويمضي هادئاً إلى النوم
في الليل نَسمعُ أنفاسه
ونطمئنُّ إلى أنه ما زال حياً
أحياناً, خلسة, تدخل الأخت الكبرى
تضع مالاً قليلاً في جيبه
وأحياناً تقف برهة تتأمل وجهه
الثابت على هيئة واحدة.
يسجّل ذكرياته على أشرطة
لا يُسمعها إلى أحد
يجلس قبالة آلة التسجيل هدية
ابنته البعيدة
ويهمس كأنما لكاهن صديق
اعترافات الرحيل.
يحكي عن كسّارات أهله
عن أبيه الأفقر والأقلّ تدبيراً بين إخوته
عن أخيه الذي قتل في الحرب
وعن أمه التي من أجله
عملت غسّالة في البيوت
كلما تذكّر أمه
التمعت عيناه
ونبضَ شريان غائر في جبهته.
تفرحه الهدايا الصغيرة
الحذاء الجديد
أو المسبحة
أو قلم الستيلو
أو المفكّرة
أو آلة قياس الضغط
لكن أكثر ما يفرحه
حين يتذكّر أحياناً
إسماعيل عائداً فجأة من معسكر التدريب
حاملاً البيرة
وقالب الحلوى
ليحتفل معه بذكرى زواجه.
الصور في الأدراج
يبست
حتى يمكن كسرها
بنظرة واحدة.
ساعته التي أحضرها معه من موسكو
تدور على النبض
وعلى عكسه تكره الماء
منذ عشر سنوات تنام في زاوية الدُرج
ربما طاولها السأم هناك
لكننا نحسب أن عقاربها لا تزال تعمل
بذكرى روحه
الغائبة.
حين نقول: “كان”
تراب خفيّ
ينهال علينا.
عادل
منذ ابتلعه البحرُ ظهراً
يقيم في ما يسري من رغباته
الناقصة
وفي ما علق من نظراته
الأخيرة
على الصخر.
لم تبكِ الإبنة
فقط
وقفت كتمثال
احتاجت زمناً لتدرك.
لكن
ما زالت له عاداته القديمة
يفرشي أسنانه
يدهن يديه ووجهه بالنيفيا
يلبس بيجامته
يعلّق ثيابه
يلقي على عائشة
تحية المساء
ثم يمضي إلى النوم.
وحدها عائشة تسمعه
حين يهمس هواؤه
من غرفة النوم
أو الصالون
أو القبو:
ولكن
أين ذهب الجميع؟
أين ذهب الجميع ؟
***
عائشة
منذ أربعين سنة
تقيم في صورة مخدوشة بالأبيض والأسود
وُضعت بالمقلوب
على سطح الخزانة
هناك تستمر حياتها
غبار كثير
لكن
لا فصول
تتعاقب
أو ألم.
أنجبت ستة أولاد
لتحاول أن تنسى طفليها اللذين ماتا بمرض غامض
مطلع الستينات
كانت صغيرة
ولا تجيد التعامل مع الميتين الصغيرين
اللذين لم تخلّصهما الأحجبة
ولا اللمسات الليلية
ولا قوة الحبّ
ولا الأدعية.
أحياناً تحلم بهما دون أن تعرف
تستيقظ بعينين متورّمتين
من بكاء
بُذل وحده
في أروقة
نائية.
عائشة
سنة بعد سنة
تكبر نباتاتها
التي على السطح
ويصغر جسمها.
قالت: “سأحمي أولادي من الآلهة والبشر”
تدرك كم أخفقت.
أحياناً تحلم بإسماعيل
تراه ثلاثة أطفال
يمسكون أيدي بعضهم
يبتسمون
ويسيرون نحوها.
كلّ
صباح
تستيقظ
بعينين
أقلّ.
تحلم بموائد
لا يقطعها صوت
في الأحلام يزورونها
يطلب كلّ واحد منهم
أكلته المفضّلة.
أحياناً
تخيط ثوباً
لتذكر.
تتذكّر ركضهم معاً حين كانوا جميعاً على الشاطئ
وأمطرت فجأة
الصرخات الحية
والسقيفة الخشب التي احتموا تحتها
إسماعيل الواقف على بعد أمتار
سعيداً يتأمل المطر.
تحلم
لو الشتاء بُرهة
لا تنقضي.
فوق الخزانة بالمقلوب
بالأبيض والأسود
عائشة
منذ أربعين سنة
تقف وحدها
بالأبيض الناصع
بلا فصول
تتعاقب
أو ألم.
***
إسماعيل مرة أخرى
الشمس جفّفت الدم على وجهه وجبهته
صار اسماً
ومنذ الآن يعرف
أنه يمشي بلا وجه
وأن عينيه اللتين قالتا مرّة كل شيء
باتتا صدءاً محفوراً
على جدار
من زمن
بعيد.
بالدأب الذي للموتى وحدهم يخزّن أشواقه
لفتاته
التي تزوّجت
وطلّقت
وعاودت الزواج
وأنجبت أولاداً كثراً
لكنها بقيت له
سرّاً مقفلاً
كهدية
لم تُرسل
ولم تصل.
الشمس جفّفت الدم على وجهه وجبهتهصار اسماًومنذ الآن يعرفأنه يمشي بلا وجهوأن عينيه اللتين قالتا مرّة كل شيءباتتا صدءاً محفوراًعلى جدارمن زمنبعيد.بالدأب الذي للموتى وحدهم يخزّن أشواقهلفتاتهالتي تزوّجتوطلّقتوعاودت الزواجوأنجبت أولاداً كثراًلكنها بقيت لهسرّاً مقفلاًكهديةلم تُرسلولم تصل.****
اعتذارات الموتى مفاتيح العدم.
قالت عائشة:
كان ناعماً كفتاة
وحتى السابعة
كان يتسلّقني
ليرضع ثديي.
***
لعلّها ثيابه التي كبرت وحدها
أما يداه فظلّتا عذراوين
عيناه لم تزدادا اتساعاً
ولا دخل عليهما ضوء جديد
رجلاه لم تعدوا
أبعد من قلبي
ومن باب غرفتي.
***
الغيوم تعاود رسم شعرك
مسترسلاً
في نوم الروائح
المخبوءة
عمراً كاملاً
من أجلك
الغيوم تعاود شغل حيّزك
على الكنبة
ودخان سكائرك
الملتفّ خواتم
في أعلى الغرف.
كضرير
عادل يتلمّس حروف رسالتك الأخيرة
لا يصدّق أنك في لحظة فكّرت به
وكتبت اسمه
وناديته:
“يا أبي”
***
هل يتذكّر ضحكتك ترنّ
إذ يرفعك, على كتفيه,
عالياً كأغنية
على كتفيه
هل يرى في فراغ الكلمات الممحوّة
أسنانك التي اكتملت
وتلك التي
ستنبت غداً.
إسماعيل
فارقه الألم دفعة واحدة
ولكن سنة بعد سنة تنأى البيوت
والأصدقاء
سنة بعد سنة
تشيخ الأمكنة
وتختفي الملامح
عن الأضرحة.
كانوا يهتفون بعودته
إلى الأرض البعيدة:
“أبعد من عتبة قلبي
كل مكان غريب”
قالت عائشة.
من بعيد
كان ينظر ويبكي
وكانت النوافذ والأبواب
تقفل
من دونه
وحدها تينة جدّته
كانت تدرك أشواقه
وحدها
كلّما حلّ صيف
كانت، من بعيد،
تدمع عليه.
***
عادل مرة أخرى
بخطوات أخفّ
يتنقّل في البيت
مستغرباً التحوّلات التي طرأت عليه
ملامساً الأبواب والنوافذ
مستريحاً على العتبات الباردة
مهيئاً نفسه
لنوم جديد
يعرقُ على الحجارة
التي تصبح أملس
لكنّ رجليه تقطران ماء
يمحو ما سبق وما كان سيلي
من خطواته.
يجلس ساعات في غرفته المعتمة
التي يرى منها فرع المئذنة وجزءاً
من شجرة تين نبتت وحدها
على السطح وعربشت نزولاً إلى النافذة
يشرب الشاي بالنعناع
ويتمتم كلمات قليلة.
شمس مكسورة
وبلا رائحة
تنسلّ
من بين أصابعه النايلون
من كثرة صحبة الماء.
صداه يرنّ على المسمار
وفي الشقوق المهملة
وفي القميص المطوي، كوصيّة، من زمن بعيد
في الخزانة.
***
الأسماء مصيدة الأرواح
عادل
يقف أمام المرآة
محاولاً تذكّر ما سقط
ذات ظهيرة
من اسمه.
نُزل الهباء الناصع
مضاء بيافطات بيض
الشارد
لا يجد رقماً
أو علامة
الهواء يقف كغراب
بين الحورات.
“أيتها النوافذ المسي روحي
بأصابعك المبللة”
يصلّي عادل وقت الشتاء.
بخطوات أخفّ
عيناه تتمهّلان على الصور
ربما تنبت منها ثانية
الأصوات الصغيرة الضائعة
ربما الضحكات
مرة أخرى.
الأرواح الآن
حيث هي
في حجراتها الناتئة.
وحده الملح
ما زال ينبت على الأطراف
التي من وسن
وحده البحر
ما زال مختلجاً
في العيون
عادل
يسمّي كل حجر باسمه
ويعيد إلى كل هواء
خطوه العابر.
بيدين رخاميتين
عادل
يسرد
على النوافذ المقفلة
حكاية
حكاياته الضائعة.
ولكن
بأي إبرة
نخيط النزهات إلى الحقول
والأصوات إلى الغرف
بأي قوة
نعيدُ المنسيّ من الروائح
إلى الرفوف
وفي أي جرار
نحفظ
بعد فواتها
ما لم تقله
الدموع؟
***
بعد بوب ديلان
شاهدت رجلاً يجرّ منزلاً قال إنه يريد أن يضعه على حافة البحر، وامرأة جميلة تعرج، تجرّ وراءها شعباً من الأطفال العرج. وكلمات تنبح، ومستويات مختلفة من الصمت، تجرها الخيول. شاهدت أكياس نايلون سوداء تطير في الصحراء، وشقراء بشعر طويل ترفع نهدها إلى الله، وتبكي. شاهدت الصديق الذي مات في نومه، يبتسم وراء المطر. شاهدت المطر أيضاً. شاهدت قطارات تقتحم غرف نوم، ومرايا برّاقة تحطمها النظرات. ونظرات تتحطّم وحدها. وكان صبي بالشورت يقفز ليلمس فراشة يحسبها غيمة. وكان عجائز سود يتدربون على “الراب”، بالكزّ المستمرّ على أسنانهم. وكان فلاسفة يحاولون عبثاً تفسير جوز الهند. شاهدت طيناً ينصب خيمة، ووحلاً يحفر سراديب سرية. شاهدت الستينات تتقدّم نحوي مادة ذراعيها، وعلى كتفيها غرابين أسودين. شاهدت السعادة عارية تقفز بالحبل. شاهدت جدتي تسبح في كأس. شاهدت أبي ينمو على جدار. شاهدت التسعينات طائرة ورقية تذوب في ضباب.
فوتوشوب
بيدين من “فوتوشوب” أعلى المخيلة أحاول إصلاح وجه عجوز عابر في المركز التجاري، مفكّراً في معنى عجوز عابر، متأملاً في الحيّز الفيزيائي للحياة، مقطّعاً الصورة إلى مربّعات ومستطيلات، واضعاً في كل واحد منها غرضاً أو شخصاً، منتظراً أن يأتي المعنى وحده، مردّداً: سيأتي، سيأتي المعنى، ليس عليك سوى أن تنظر، وتنتظر. أجعل ذئباً يعوي في وجه طفل خائف، ولا يهمّني تفسير الذئب أو الطفل أو الخوف. أضع مرآة على مؤخرة حسناء تمشي، وأرسم فيها عيني دلفين وأنف مهرّج. أترك مكان الفم فارغاً. وأحسب الدموع نوعاً من العرق الغامض. يمكن أيضاً ليدي، مستلقية على جذع شجرة عجوز، أن تبكي. أشرح، أعرّف؛ البكاء: يدي مستلقية على جذع شجرة عجوز. يمكن دائماً استخلاص شيء من لحظة ميتة. يمكن تأكيد شيء ما بكبسة زر.
نبش في القمامة
الحياة جميلة وخضراء على سطح علبة البازيلاء. الرحلة ممكنة دائماً إلى تلك البقاع. ولم يقصدوا، إذ صنعوا أكياساً بالغة السواد كهذه، أن يخفوا شيئاً. كل ما قصدوه الإشارة. وبقعة دم جفّت على ورقة كلينيكس، قد تعني حناناً هرق لجزء من الثانية على بلاط المطبخ. قبل أن يصير خبراً (…).
حفريات
اثقب. واثقب أعمق. يمكن أن تعثر أخيراً على وكر النمل. ركّب رفاً خشبياً على السطر. ضع دلواً معدنياً بالمقلوب مطرح القبعة. وامش عارياً في الشارع. شاهد التلفزيون أو التلفاز. ادخل إلى الإعلان. دخّن سيجارة خفيفة. ضاجع ملكة جمال الكون وهي تتألم من حبّها البالغ للبيئة والأطفال. أجل، قل لها: “امسكي قليلاً هذا التاج لو سمحت”، وارفع فستانها الرائع وضاجعها وقوفاً. وقّت ولوجها مع قولها: “هواياتي القراءة والسباحة ومساعدة العجائز على قطع الشار..ع”. سيكون أطول حرف “ع” تسمعه في حياتك. ودع المذيعة المبتسمة تسألك، قبل أن تسأل الملكة: “ما إحساسك في هذه اللحظة؟ وكيف يمكن أن تخدم هذه المضاجعة السلام العالمي؟”. ودعهم يضعون النقاط. طرطق برفق على الساق الخشبية. سيخرج لك موزارت ماداً لسانه. شارك في المسابقة. يمكن أن تفوز بغلاية قهوة. أو برحلة إلى الجبال البعيدة. أو بنظرة متعاطفة من الله.
الأشياء المعدنية
حباً بالله وبالأشياء المعدنية،
امنحني يا رب،
قبل الجحيم،
بعض السعادة العابرة
على شاطئ البحر.
نبش في القمامة (تتمة)
(…) ولابدّ من نظرة واسعة كصدر جدة لندرك الألياف. وما بُذل من حبّ بين حشرتين مداريتين في ساعة مبكرة، أو في ساعة متأخرة. الحب يزمجر في النايلون. والأبقار تخور في الثلاجة. ونحتاج إلى بصمة مجهرية لندرك علاقات الأيدي مع الأيدي، ومع الأشياء التالفة.
قبل أن تبدأ البنايات بالانهيار
لم نكن نعرف شيئاً
كنا نحدّث الهواء ببلاهة تامة
ونرسم أشكالاً غامضة على الماء
وفي الغيوم
ونشكّ دبابيس ملونة على الخرائط
غير مكترثين
قلب أي مدينة ينزف الآن
وأي شعوب تأخذ بالانقراض
كنا نتقدّم
من كل الجهات
باتجاه حفرة واحدة.
الرجل الذي يتأمل الوجوه
لابدّ من أن يخرج في النهاية بنتيجة ما
رجل مثلي
لا يتعب من تأمل الوجوه
لا لأنه يحب ذلك
لكنه سرّ ما
يجعله لا يكفّ عن تأمل الوجوه
التي يعرف
أنها
في نهاية الأمر
لن تقول شيئاً.
محاولة لتعريف المدينة
الثانية بعد منتصف الليل. مطر وبرد كثير. عثرت أخيراً على دكان يبيع السجائر وكنت أعرف أنني في شارع آخر لكنني نظرت إلى أعلى ورأيت ظلّ أحدهم وراء نافذة مقفلة وافترضت أنها صديقتي التي تنتظرني الآن في بيتها الذي في شارع آخر، ووقفت ولوّحت لها وافترضت أنها تلوّح لي، وضحكت من كل قلبي لأنني كنت أخاطب صديقتي التي لابدّ من أنها الآن تضحك لي.
إفادة عن ألم ما
بصمات الأصابع المتروكة هنا
كانت تخص أحدهم
هذه العيون أيضاً
التي – معلقة في الهواء –
تنظر إلى نقطة غير محددة
ربما إلى المقعد نفسه
أو الشرفة المهجورة
في البناية المقابلة
أو ربما إلى الهواء نفسه
هذه النظرات المهملة
هي الأخرى
إفادة عن ألم ما
مرّ من هنا.
نقوش
بتلك الأيدي الصاخبة كالرمل
نقشوا أسماءهم على الصخر
وكان شيء ساطعاً
على المرايا
وعلى الخشب القديم؛
لا أحد سينجو بعد الآن.
الجاهزون للرحلة
نقشوا أصواتهم الكثيرة
على سطوح البيوت
وقفزوا.